28 مارس، 2020

العالم ما بعد كورونا

لقد بات من البديهي الآن أن الأزمة  التي نتجت عن انتشار فيروس كورونا المستجد لن تنتهى قريبا. وتفيد تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، وأيضا رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بأنه لا يمكن توقّع حلول لهذه الأزمة قبل الصيف المقبل

فهل هذا يعنى أن السفر والعمل والمدارس والتجمعات العامة في العديد من البلدان ستبقى جد محدودة حتى ذلك الحين؟ الأرجح نعم.

وهل سيتم إيجاد لقاح  في القريب العاجل لوقاية من هذا الفيروس؟  وهل سيكون ذلك صعبا ؟، فنحن نتعامل مع فيروس جديد تماما،  إن العلماء ومراكز الأبحاث حول العالم لم تكن قادرة  على تبادل البيانات ونتائج الاختبارات بشكل شفاف كما هي الحال الآن مما قد يسرع العملية.

وتعتبر أحد الأسئلة المهمة، كما ورد في أحد مؤتمرات جونسون عن الأزمة، وهي ما إذا كان بإمكان الدارسات أن تجد طريقة لتحديد عدد الأشخاص الذين تأثروا وأصيبوا بالفيروس حول العالم، من دون أن يبدوا أي عوارض تدل على إصابتهم ، ومن دون أن ينقلوا العدوى للآخرين. فللأسف لا توجد أي مؤشرات حول ذلك.

فقد تعاملت البلدان مع الأزمة بطرق جد مختلفة. وإذا قمنا بالنظر إلى العدد الصغير من الناس الذين تم شخصيهم بالفيروس  في المملكة السعودية مثلا، فإنه لا يمكننا إلا أن نشيد بالاستجابة الصارمة والسريعة في المملكة. تخيّلوا الضرر الذي كان يمكن أن يحصل، ليس فقط للمملكة لكن للعالم أجمع، ولو أن السلطات لم تسارع إلى حصر الدخول إلى الحرمين الشريفين؟ تصوروا ماذا سيحصل, فولوا أنها لم تتبع ذلك بقرارها الذي صدر الثلاثاء بوقف الصلاة في جميع المساجد أكيد سيصاب الكثير من الناس بالعدوى ,فمن المفيد مقارنة إحصائيات العدوى في المملكة العربية السعودية مع تلك المعدة في إيران،

قام بعض رجال الدين بالتشجيع على ممارسة الشعائر الدينية رغم تفشي الفيروس ، ما يساهم في رفع معدلات الإصابة إلى أكثر من 1000 حالة جديدة في يوم واحد. في المملكة، وتم نقل الفيروس للسعوديين من حالات جاءت من خارج البلاد ونُقلت العدوى إلى السعوديين الذين اتصلوا بحالات العدوى هذه، لذلك كان من الحكمة أيضا ضبط الرحلات القادمة م و  إلى المملكة ومراقبة جميع الركاب بحثًا عن عوارض المرض. وقد تم أتخاد أجراء وقائي بإغلاق المطاعم وأماكن التجمعات العامة  وذلك يأتي لضمان أدنى اتصال بين الناس.

أما المملكة في المتحدة، فلقد اتخذت مقاربة مختلفة، فقد بقيت المدارس مفتوحة لمدة محددة قبل أن يتم أعلان يوم الاثنين الماضي توقف جميع المدارس العامة والخصوصية، وقد تم ضبط معظم الرحلات عوضا عن حظرها، فيما تم حث الأشخاص في دائرة الخطر وخصوصا اللذين يعانون أمراض مزمنة على تخفيف الاتصال بالآخرين إلى الحد الأدنى. وقد كان هناك  كثير  من النصائح ولكن القليل من التعليمات. و لقد كان الهدف هو  تقليل من سرعة تفشى المرض على المدى الطويل ، أو “سحق الفيروس” على حد وصف بوريس جونسون في إشارته للرسم المبياني الذي يظهر التصاعد غير المتوقع في تفشى المرض، يليه انخفاض مفاجئ موازٍ له.

فإذا نجحت الاستراتيجية المتخذة، فهذا لا يعنى فقط أن المملكة المتحدة قد تجاوزت خسائر اقتصادية كبيرة لكن هذا يعنى أنها استطاعت تفادى إرهاق نظامها الصحي الوطني المثقل بالأعباء أصلًا. فليس هناك من معلومات كافية حول هذا الفيروس، كيف ينتشر وكيف يعدى. هناك خطر في ظل عدم وجود دور حكومي قوى لمنع تحرك الناس وتفاعلهم مع بعضهم ، قبل أن ترتفع عدد الحالات المصابة بسرعة .

طبعا، ولا محالة أن البشرية ستنجو من هذه المحنة، كما نجت في السابق من الطاعون والأنفلونزا الإسبانية وغيرها من الأوبئة. ولكن الفرق اليوم هو أننا نعيش في عالم مترابط للغاية، حيث لم يكن السفر يومًا متكررا وسهلًا كما هو الآن  وخلافًا لنا نحن البشر، ليس الفيروس بحاجة لجوازٍ أو وثائق سفر للانتقال عبر الحدود.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الأزمة لن تطول وستنتهي، لكن ماذا سيحصل بعد ذلك؟ أول شىء يجب علينا تقبله هو أن العالم لن يعود أبدا إلى ما كان عليه سابقا. وبالتأكيد لن يعود السفر كما كان من قبل. فعليك أن تتذكر دائما  في كل مرة يطلب منك فيها نزع حذائك عند مرورك قرب  أمن المطار، أن تلعن ريتشارد ريد، الإرهابي الذي حاول تفجير قنبلة أخفاها في حذائه في العام 2001 عندما كان على في رحلة من باريس إلى ميامي. وعندما تتم مصادرة منك زجاجة شامبو بحجم 400 مل منك، ألق اللوم على مخططي محاولة تفجير رحلة العابرة في العام 2005 باستخدام قنبلة معدة من المواد السائلة.

على أقل تقدير، فإنني أتوقع أن تصبح الفحوص الصحية للمسافرين إجراء روتينيا، وأن يتم منع الركاب الذين تظهر عليهم أعراض تشبه أعراض الأنفلونزا من الصعود إلى الطائرة. وأتوقع كذلك أن تصبح أقنعة الوجه أيضا مظهرا عاديا أثناء استخدام المواصلات العامة أو التواجد في الأماكن المزدحمة.

وكذلك، يجب علينا أن نتوقع تحولًا في طريقة العمل والسفر المتعلق بإجراء الأعمال. فكلما استغرقت الشركات والحكومات وقتًا أطول للعودة إلى العمل من المكاتب، كلما تحول العمل من المنزل إلى حالة دائمة.

ونحن نشهد بالفعل انخفاضا عالميا مهولا في ارتياد السينما والمسرح مع انتشار تطبيقات مثل نتفليكس التي هي أكثر أمانًا. وقد بدأت تطبيقات توصيل الطعام في استبدال مكان تناول الطعام خارج المنزل، قد تكون الذروة في الطلب هي نتيجة مؤقتة لتفشى فيروس كورونا، ولكن قد تثبت التغييرات في العديد من عادات المستهلك كسلوك دائم أيضًا.

وإذا كان هناك تغيير واحد يجب أن نفكر في التمسك به، فسيكون بالتأكيد موضوع زيادة الوعى لأهمية النظافة الشخصية وغسل أيدينا بطريقة دائمة وروتينية واستخدام المطهرات. لقد جعلنا هذا الفيروس أكثر إدراكًا لما نلمس، لقد كتبت هذا المقال باستخدام حاسوبي الشخصي ولقد احتككت  بلوحة المفاتيح طيلة النهار، ولذلك، سأقوم الآن بغسل يدىّ  بعد أن علمت للتو أن الحواسي و الهواتف النقالة قد تحمل جراثيم أكثر بعشرة أضعاف من تلك الموجودة على مقعد المرحاض!.

5 Shares
Tweet
Share
Pin
Share5